أنت تتصفح النسخة النصية — بدون صور أو سكربتات
Mamlakanaجدة · تغيير

الهشاشة النفسية لدى الشباب.. حالة عابرة تحتاج فهماً لا تهويلاً

المصدر: صحيفة جدة 24

كثيراً ما تتردد عبارة «الهشاشة النفسية» في أحاديثنا عن الشباب، وكأن الجيل الجديد فقد قدرته على مواجهة مشاق الحياة. غير أنه من غير الموضوعي إطلاق تعميمات أو التشدد في الحكم عليهم. فهذه الهشاشة ليست اضطراباً نفسياً، بل حالة يعاني فيها المرء من صعوبة في تحمل الضغوط، وسرعة التأثر بالنقد أو الإخفاق، والحاجة إلى مهلة أطول لاستعادة الهدوء والتوازن. وقد يمر بها الإنسان في مرحلة من عمره ثم يتجاوزها. ما معنى الهشاشة النفسية؟ ومن اللافت أن بعض الشباب يعاملون مشكلاتهم اليومية وكأنها تفوق طاقتهم. فتأخر الحصول على وظيفة قد يتحول في نظرهم إلى نهاية المستقبل، وملاحظة من أستاذ أو مسؤول قد تتحول إلى جرح عميق، وانتهاء علاقة عاطفية قد يبدو وكأنه نهاية الحياة. ليست المشكلة في الحزن أو الألم، فهذا أمر طبيعي، بل في تضخيم المشكلة وإعطائها حجماً يتجاوز واقعها، والسماح لموقف عابر بالسيطرة على مجمل الحياة. مظاهر تضخيم المشكلات عند الطلبة وفي تجربتي اليومية مع الطلبة في الجامعة، أجد أن المشكلة لدى بعضهم ليست في صعوبة الموقف ذاته، بل في طريقة استجابتهم له. فقد يتحول تعثر دراسي يسير، أو ملاحظة أكاديمية، أو تأخر في إنجاز مهمة إلى قلق شديد يجعل الطالب يُسقط هذه اللحظة على مشروعه المستقبلي بأكمله. وسائل التواصل وأوهام المقارنة وتسهم منصات التواصل الاجتماعي في تفاقم هذه الحالة؛ إذ يُعرض على الشاب يومياً صور نجاح وسفر وزواج ووظائف ومشاريع، دون أن تُعرض عليه ما سبقها من جهد وفشل وقلق. وبهذا يقارن حياته الكاملة بلقطات منتقاة من حياة الآخرين، فيشعر بالتأخر وأن الجميع يتقدمون بينما هو واقف في مكانه. والحقيقة أن لكل إنسان ظروفه وتوقيته ومساره الخاص. دور الأسرة في بناء الصلابة وللأسرة دور محوري في هذا السياق. فنحن نحب أبناءنا ونسعى لحمايتهم، لكننا في كثير من الأحيان نحميهم أكثر من اللازم؛ إذ نتدخل لحل مشكلاتهم عند أول خلاف، ونزيل العقبات من طريقهم. ومع مرور الوقت قد يفقد الشاب قدرته على مواجهة الحياة بنفسه. فالإنسان لا يكتسب القوة إلا بالتجربة والخطأ والفشل وإعادة المحاولة. وفي المقابل، ينبغي ألا نغالي في تأويل المشاعر الإنسانية العادية. فليس كل حزن اكتئاباً، ولا كل قلق مرضاً، ولا كل فشل أزمة نفسية. فالحزن بعد الفقد، والقلق السابق للاختبارات أو لمقابلات العمل، والإحباط بعد الإخفاق، مشاعر طبيعية. المهم أن يكون المرء قادراً على تجاوزها، وأن يطلب المساعدة المتخصصة إذا طالت المعاناة وتعمقت وتأثرت بها حياته. إن المطلوب ليس شباباً بلا ألم، فهذا غير واقعي، بل شباباً يعرفون كيفية التعامل مع الألم والمشكلات. نحتاج إلى تعليم أبنائنا أن الخطأ باب للتعلم، وأن التعثر لا يعني نهاية الطريق، وأن رفض فرصة لا يقلل من قيمة الإنسان، وأن نهاية علاقة ليست نهاية الحياة. كما نحتاج إلى مشاركتهم في التفكير وإيجاد الحلول، لا أن نحل كل شيء نيابة عنهم. فالصلابة النفسية لا تعني غياب الحزن أو الدموع، بل تعني القدرة على الألم دون انكسار، والسقوط ثم النهوض من جديد. فالحياة تمتزج فيها النجاحات والإخفاقات، والأفراح والأحزان، والتعثر والبلوغ. وأهم ما يمكن أن تغرسه الأسرة في أبنائها أن العائق ليس في مواجهة صعوبات الحياة، بل في فقدان الثقة بالقدرة على مواجهتها. بقلم: هلال الحارثي، أستاذ علم النفس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

التعليقات