تلقيت قبل أيام مكالمة هاتفية غير متوقعة من صديق قديم قضيت معه سنوات في روسيا، وهو اليوم أستاذ جامعي بإحدى الجامعات العربية. لم نلتقِ منذ فترة طويلة، وعندما قال: «أهلاً يا صديقي.. من ستاري أربات أتحدث معك الآن» استعيدت ذكريات اليوم الشتائي الذي وطئت فيه قدمي موسكو لأول مرة، المدينة التي ساهمت في تشكيل ثقافتي وجداني بينما كنت أدرّس بالأكاديمية السعودية هناك. ذكريات المكالمة الأولى أدركت من خلال ذلك الاتصال أن بعض المدن تزول من الذاكرة بمجرد مغادرة الطائرة، بينما تبقى أخرى ترافقنا في كل مكان نذهب إليه. ولأن الحديث تركز على شارع «ستاري أربات»، تذكرت كيف كان هذا الشارع العريق وجهة ثقافية وعلمية تلخص روح المدينة وتاريخها. كان صديقي آنذاك يعدّ رسالة دكتوراه في الأدب الروسي بجامعة موسكو الحكومية، وجعل من شعر المغني والشاعر «بولات أوكوجافا» محور دراسته. وبما أن الشارع يضم تمثالاً تذكارياً لهذا الشاعر، كان يلهِم صديقه في بحثه ويجعل الكلمات تخرج من الصفحات لتعيش في تفاصيل المكان، словно صدى «أوكوجافا» لا يزال يتردد في موسكو رغم مرور السنوات. أربات كمصدر إلهام إضافة إلى الجانب الثقافي، كان الشارع يفتح أبوابه ككتاب لا ينتهي؛ كنا نتأمل المشغولات اليدوية والأحجار الكريمة في محلات التراث الروسي، وكل قطعة تبدو وكأنها تحكي قصة من تاريخ روسيا وروحها. لم تكن هذه الأشياء بالنسبة لي مجرد سلع للشراء، بل حكايات تنتظر من يصغي إليها. كما كانت عدستي تلتقط صوراً لأبرز معالم الشارع، مثل بيت الشاعر الكبير «ألكسندر بوشكين» وتماثيله التاريخية، حيث يصبح المكان شاهداً حياً على تراث الأدب الروسي. هناك تعلمنا أن المدن لا تُكتشف بالأقدام فقط، بل بالأرواح التي تعبر شوارعها وبالأعين التي ترى ما لا يراه الآخرون. دروس السفر والبحث أنهينا جولاتنا الثقافية في مقهى هادئ يطل على الشارع. هناك كنت أنقّح ملاحظاتي وأعيد النظر في الصور لإعداد تقرير لصحيفة الرياض، حيث عملت كمراسل للجريدة وإذاعتها. وعلى الرغم من تكرار الزيارة، لم أكتب القصة نفسها أبداً؛ فالمكان ثابت لكن الوجوه والتفاصيل تتغير. ومن هناك أدركت أن الصحافة ليست مجرد بحث عن الحدث، بل عن الزاوية التي لم يلحظها أحد. اليوم أوقن أن سنواتي في أربات وموسكو لم تكن مجرد أيام عمل أو دراسة، بل مدرسة أعادت تشكيل رؤيتي للعالم. تعلمت أن السفر ليس انتقالاً بين الجغرافيا، بل بين مستويات الوعي، والإنسان يعود بنسخة أكثر نضجاً واتساعاً من نفسه. لذلك أوجه نصيتي إلى كل معلم موفد، وطالب علم، وباحث يقيم في روسيا أو يقصدها أو غيرها طلباً للمعرفة: لا تجعل أطروحتك حبيسة المراجع والمكتبات؛ تجول في المدن، زر المتاحف والبيوت التاريخية، استمع إلى الناس، واكتشف الثقافة في تفاصيل الحياة اليومية. فالكثير من الأسئلة البحثية الكبرى تبدأ من ملاحظة صغيرة أو حوار عابر. وما تزال روسيا، بإرثها الأدبي والفكري والعلمي، تفتح آفاقاً أمام الباحثين العرب في الأدب والتاريخ والترجمة والعلاقات الثقافية والتعليمية. فالبحث العلمي لا يقوم على جمع المصادر فقط، بل على طرح الأسئلة الجديدة وربط النصوص بالواقع. يبقى يقيني أن سنوات الدراسة أو العمل في الخارج فرصة لبناء معرفة لا تتكرر. ومن يفلح في استثمار المكان، ودمج البحث الأكاديمي مع الانفتاح على ثقافة المجتمع، يعود إلى بلاده بأكثر من شهادة؛ يحمل رؤية أوسع، وتجربة أعمق، وأسئلة تفتح أبواباً لبحوث أكثر أصالة وإسهام.