يزخر وطننا الغالي المملكة العربية السعودية بالعديد من الموارد الطبيعية والغذائية التي تنوعت بتنوع تضاريسه ومناطقه، وشكلت عبر التاريخ جزءًا من هوية المجتمع وثقافته الغذائية. ومن أبرز هذه الموارد الدخن، الذي يُعد من أقدم المحاصيل الزراعية في الجزيرة العربية، ويحتل مكانة خاصة في منطقة مكة المكرمة، ولا سيما في وادي سايه التابعة لمحافظة الكامل، التي اشتهرت منذ القدم بزراعة الدخن وإنتاجه، حتى أصبح “دخن سايه” أحد أبرز وأقدم مصادر الدخن في الحجاز، ولا يزال يحافظ على مكانتة بوصفة موردًا زراعيًا وغذائيًا مهمًا حتى يومنا هذا. تاريخ وانتشار زراعة الدخن: ارتبطت زراعة الدخن تاريخيًا بوادي سايه، الذي ساعدت ظروفه الطبيعية ومناخه الموسمي وموارده المائية على ازدهار هذا المحصول. وقبل توحيد المملكة العربية السعودية، كان إنتاج الدخن يشكل موردًا مهمًا لسكان الوادي، كما ساهم فائض الإنتاج في تنشيط عمليات التجارة والمقايضة مع سكان المناطق والقرى المجاورة، مما عزز مكانة ساية كمصدر محلي مهم للدخن في المنطقة. وفي العصر الحديث، ما زالت زراعة الدخن حاضرة في محافظة الكامل، وتأتي ضمن المحاصيل الزراعية التي تسهم في دعم الإنتاج المحلي والأمن الغذائي. “وتشير بيانات زراعية إلى وجود نحو 58.21 هكتارًا مزروعة بالدخن في المحافظة، موزعة على 98 مزرعة، بإنتاج سنوي يقدّر بنحو 72.85 طنًا، يوجّه للإستهلاك المحلي.” 1 ويتميز الدخن بقيمته الغذائية العالية، إذ يعد مصدرًا غنيًا بالألياف الغذائية والبروتينات والفيتامينات والمعادن، كما يحتوي على نسب جيدة من الحديد والمغنيسيوم والفوسفور، فضلًا عن كونه خاليًا من الجلوتين، مما يجعله خيارًا صحيًا يناسب مختلف الفئات، ويسهم في تعزيز الصحة العامة ودعم النظام الغذائي المتوازن. القيمة التراثية والأكلات الشعبية: لم تقتصر أهمية الدخن على قيمتة الغذائية فحسب، بل ارتبط أيضًا بالموروث الشعبي لأهالي محافظة الكامل والقرى التابعة لها، حيث يدخل في إعداد عدد من الأكلات التقليدية التي توارثتها الأجيال، ومن أشهر هذه والأكلات: الخواضة: وهي أكلة شعبية تُحضَّر من الدخن وتتميز بغناها الغذائي ومذاقها الأصيل. “حيث يفضل أهالي الكامل هذه الأكلة الشعبية وهي تصنع من عنصرين السمن البري وطحين الدخن المحموس” ويعود اصلها إلى مناطق بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وإسمها إلى لهجة ولغة بني سُليم المتوارثة في المنطقة، حيث يُشتق الأسم من فعل “خَوَّضَ” أي خلط ومزج المكونات معاً. المعفوس ( الفته ): تعتمد على عفس (عجن وضغط) الخبز مع التمر والسمن البري حتى تتداخل المكونات تماماً، وتتميز بقيمتها الغذائية العالية التي تمد الجسم بالدفء والطاقة. الرشوف: طبق شعبي حجازي شهير، يُحضّر من دقيق الدخن المطبوخ مع اللبن ويُضاف إليه السمن البري ويكون قوامه خفيف. الدليكة: عجن التمر والسمن والدخن المحموس معًا حتى تتماسك وتقدم مع القهوة السعودية. الخطارة: وهي وجبة قوامها أقرب إلى الحساء الثقيل أو العصيدة، تُصنع من طحين الدخن المخلوط مع الحليب وتُطهى على نار هادئة حتى تنضج وتُسكب دافئة. وغيرها من الأكلات الشعبية التي تمثل جزءًا من الهوية الغذائية والتراثية للمجتمع السعودي. إرث يستحق المحافظة علية: إن المحافظة على زراعة دخن سايه، والتعريف بقيمته الغذائية والتراثية، يمثلان خطوة مهمة نحو إبراز الموروث الزراعي لمحافظة الكامل، وتعزيز الوعي بأهمية المنتجات المحلية التي شكلت على مر السنين ركيزة من ركائز الأمن الغذائي، وشاهدًا حيًا على عمق تاريخ المنطقة وأصالة أهلها.