الطلب المتزايد على مهارات الذكاء الاصطناعي في البنوك ارتفعت إعلانات الوظائف التي تتعلق بالذكاء الاصطناعي في مؤسسات مالية مثل جي بي مورغان تشيس وسيتي غروب وكابيتال وان بنسبة 49 بالمئة خلال العام الحالي مقارنة بعام 2025، ووصل عدد هذه الإعلانات إلى 139 819 إعلاناً وفقاً لتحليل أجرته شركة دراب المتخصصة في بيانات التوظيف المؤسسي. يشير التحليل إلى أن بنوك وول ستريت تتجاوز مرحلة استخدام روبوتات المحادثة البسيطة وتنتقل إلى مرحلة أكثر تقدماً حيث تعتمد على أعداد متزايدة من الأنظمة الذكية القادرة على أداء مهام محددة وتحمل جزءاً متزايداً من أعباء العمل. في الموجة السابقة من التوظيف في مجال الذكاء الاصطناعي داخل البنوك كان التركيز منصباً على المهندسين وعلماء البيانات الذين يبنون النماذج أو يكيّفونها لتتناسب مع بيانات الشركات، بينما توسعت الموجة الجديدة لتشمل الكوادر التي تدمج الذكاء الاصطناعي مباشرة في خطوط الأعمال التشغيلية. المهارة التقنية الأكثر طلباً: تنسيق الوكلاء وفقاً لتحليل دراب الذي قدمته حصرياً لشبكة سي إن بي سي، سجلت إعلانات الوظائف التي تتضمن مهارة “تنسيق الوكلاء” (Agent Orchestration) زيادة لافتة بلغت 1721 بالمئة خلال عام 2026، لتصبح من بين أكثر المهارات التقنية طلباً في القطاع المالي في الوقت الحالي. يعني “تنسيق الوكلاء” القدرة على توزيع المهام بين عدة أنظمة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، وتنظيم عملها وتنسيق تفاعلها بحيث يضطلع كل نظام بجزء محدد من المهمة ثم تُجمع النتائج للوصول إلى النتيجة النهائية. بالإضافة إلى ذلك، شهد الطلب على أدوات وتقنيات تُستخدم في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي ارتفاعاً ملحوظاً: زاد الطلب على مهارات استخدام “LangGraph” بنسبة 679 بالمئة، وارتفع الطلب على مهارات استخدام “LlamaIndex” بنسبة 291 بالمئة، وزاد الطلب على تقنية “التوليد المعزز بالاسترجاع” (RAG) بنسبة 259 بالمئة. وتأتي هذه الزيادات في إطار إقبال البنوك والمؤسسات المالية على تبني أنظمة “الوكلاء الذكيين” التي تمنح البرامج القدرة على تنفيذ مهام مبتكرة ومعقدة بشكل آلي ومباشر. تأثير المهارات على الرواتب وسوق العمل وفقاً لتقرير أعدته شبكة سي إن بي سي واطلع عليه موقع اقتصاد سكاي نيوز عربية، فإن الأدوار الوظيفية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي والوكلاء الذكيين عادةً ما تمنح رواتب أعلى مقارنة بالأدوار التقنية الأخرى في القطاع المالي، إذ يبلغ متوسط الراتب الأساسي لمديري مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي حوالي 190 ألف دولار سنوياً. كما أظهرت بيانات دراب نمواً متسارعاً في الطلب على مهارات مرتبطة بوضع “ضوابط الحماية” للأنظمة، حيث قفزت إعلانات الوظائف المرتبطة بـ “الذكاء الاصطناعي المسؤول” بنسبة 657 بالمئة هذا العام. ارتفعت الإشارات إلى مهارات حوكمة الذكاء الاصطناعي وإدارة المخاطر بنسبتي 394 بالمئة و359 بالمئة على التوالي، وذلك مع تكثيف فرق الأمن السيبراني جهودها لمنع الأطراف الخارجية من استغلال ثغرات قد تدفع أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى التصرف بشكل غير منضبط. وبحسب الرئيس التنفيذي لشركة دراب، فيجاي سواميناثان، فإن هناك تركيزاً متزايداً على “المهارات الناعمة” إلى جانب الطلب على المهارات التقنية، وفي مقدمتها التفكير الإبداعي، وحل المشكلات، والقدرة على طرح الأسئلة الجوهرية وفهم أبعاد العمليات بأسلوب منهجي حاسم. ويشير إلى أن العثور على الكفاءات المناسبة لشغل هذه الوظائف المتخصصة لا يزال أمراً صعباً رغم ارتفاع الرواتب المعروضة للمهارات التقنية الجديدة، مما يدفع البنوك الكبرى إلى التركيز على برامج التدريب وإعادة التأهيل الداخلي لتطوير قدرات كوادرها الحالية. ويشرح الخبير والمطور التكنولوجي هشام الناطور أن مفهوم “تنسيق الوكلاء” يمكن تشبيهه بفريق عمل داخل بنك يجمع أحد أفراده المعلومات، ويتحقق آخر من صحتها، ثم يقوم الشخص الثالث بالتحقق من النتائج وإعداد تقرير نهائي، بينما هنا تكون أعضاء الفريق أنظمة ذكاء اصطناعي متخصصة تعمل تحت إشراف نظام يوزع المهام بينها ويتابع انتقال العمل من مرحلة إلى أخرى. ويضيف الناطور أنه لتقريب المفهوم للعام يمكن تخيل البيئة الرقمية في البنك كفرقة أوركسترا موسيقية حيث يمثل كل برنامج ذكاء اصطناعي عازفاً متخصصاً، ويحتاج الأمر إلى مايسترو بشري يوجه كل عازف متى يبدأ ومتى يصمت ويضمن تجانس الأداء ليخرجوا بنتيجة متكاملة، وهذا هو جوهر وظيفة منسق الوكلاء. وبالنسبة لاكتساب هذه المهارة، يوصي الناطور بالبدء بدراسة علوم الحاسوب أو تكنولوجيا المعلومات، أو الالتحاق بدورات متخصصة في الذكاء الاصطناعي التي تتناول بناء الأنظمة الذكية وربطها ببعضها، مع تعلم أساسيات البرمجة خصوصاً لغة بايثون والتدرب على أدوات تتيح تصميم مسارات عمل آلية، مشدداً على أن الاكتساب لا يقتصر على الدراسة النظرية بل يتطلب تطبيق ما يُتعلم عبر مشاريع عملية مثل إنشاء نظام يجمع المعلومات من مصادر مختلفة ويحللها ثم يقدم تقريراً. ويقول المحلل الاقتصادي والمصرفي محمد أبو الحسن إن العمل المالي يعتمد على كميات هائلة من المعلومات المتغيرة باستمرار ويتطلب تنفيذ إجراءات متعددة ضمن أوقات محددة، لذا يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تساعد في تسريع إعداد التقارير ومراجعة المستندات وتحليل بيانات العملاء ومتابعة بعض العمليات التشغيلية، ويزداد أهمية وجود أشخاص قادرين على تصميم هذا المسار وتنظيمه كلما زاد اعتماد المؤسسات المالية على هذه الأنظمة في تنفيذ المهام المترابطة. ويرى أبو الحسن أن التحول الذي تشهده المؤسسات المالية مع توسع استخدام الوكلاء الذكيين لا يقتصر على إدخال أدوات تكنولوجية جديدة بل يتضمن إعادة النظر في كيفية توزيع الأعمال والمسؤوليات داخل البنك، بحيث يمكن مستقبلاً أن تتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي أجزاء متعددة من العملية بينما يركز الموظف على مراجعة النتائج والتعامل مع الحالات التي تتطلب تقديراً بشرياً. ويشير إلى أن هذا التحول قد يساعد البنوك على تسريع الخدمات وتحسين كفاءة العمليات لكنه يتطلب إعادة تصميم إجراءات العمل نفسها، وليس مجرد إضافة الذكاء الاصطناعي إلى الأنظمة القائمة. وبحسب أبو الحسن فإن القدرة على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي على المدى الطويل لن تحدد بامتلاك أحدث التقنيات فقط بل بقدرتها على دمج هذه التكنولوجيا في عملياتها بطريقة آمنة وفعالة، فالمؤسسات التي تنجح في الجمع بين الذكاء الاصطناعي والرقابة والخبرة البشرية ستكون أكثر قدرة على تحسين خدماتها، بينما قد تواجه المؤسسات التي تتوسع في استخدام هذه التكنولوجيا دون استعداد كافٍ مخاطر تشغيلية وتكاليف إضافية. وبالتالي فإن التحدي الحقيقي أمام القطاع المالي حالياً يتمثل في تحقيق التوازن بين تسريع العمل والاستفادة من الأتمتة من جهة والحفاظ على الثقة والدقة والمساءلة من جهة أخرى، حيث أن هذا التوازن هو ما سيحدد القيمة الفعلية لهذه التقنيات في العمل المصرفي.