هناك أعمال أدبية تترك أثرًا لا يُمحى عندما تصف المشاعر بدقة تصل إلى عمق القلب، وتستهدف مناطق لا تصمد أمام الوصف الحزين. السياق التاريخي للرواية في عام 1890 صدرت في أوروبا رواية اسمها «الجوع» (Sult) للكاتب النرويجي كنوت هامسون. اعتُبرت من أهم الأعمال الأدبية في القارة وفتحت الباب أمام الأدب النفسي، وكانت ثورة من حيث الشكل الأدبي؛ إذ ابتعدت عن السرد التقليدي وركّزت على أعماق النفس البشرية وتدفق أفكار بطلها الجائع المتشرد، ومعاناته النفسية والجسدية من الجوع بدلاً من الحديث عن البيئة والظروف الاجتماعية. تأثر بها كتاب لاحقون مثل كافكا وهمنغواي وكامو، وبدأ بعضهم يقلد أسلوبها حتى أصبحت تُعتبر من أسس الحداثة الأدبية. حصل كاتبها على جائزة نوبل في الأدب عام 1920، ليصبح من أشهر الأدباء الأوروبيين في عصره، apesar من تأثير بعض مواقفه السياسية من الحرب العالمية على مكانته. وتحولت الرواية إلى فيلمين؛ أولهما صدر عام 1966 والثاني عام 2001. وصف الجوع وتأثيراته النفسية تتميز الرواية بدقة الوصف ربما لأن بعض تفاصيلها استندت إلى حياة المؤلف قبل أن يصبح كاتبًا. يذكر في أحد المقاطع (ترجمة محمود حسني العرابي، طباعة دار المدى، 1999، ص75): «وعضني الجوع بلا رحمة وبغير انقطاع. فأخذت أبلع ريقي المرة بعد المرة لعلي أشبع نفسي بهذه الطريقة، وقد ظهر فيها شيء من العون. كان قد مضى علي عدة أسابيع لم أتناول فيها إلا قليلًا جدًّا من الطعام، فتناقصت قواي في الأيام الأخيرة تناقصًا كبيرًا». ثم يضيف: «تحول الجوع معه من شعور عابر إلى قوة مسيطرة على الجسد جعله عاجزًا عن القيام بما يفيد حتى الكتابة، وعلى العقل حتى تحول إلى ما يشبه الهلوسة، رغم أن الجوع كان يحفز فيه منابع الإبداع والإلهام. كل ذلك مع كبرياء يمنعه من قبول الطعام أو المساعدة من الغير، مع ازدراء للحضارة الحديثة». ويورد مثالًا: دخوله مرة إلى مطعم وتناوله اللحم، ثم تحريكه للحم في فمه حتى يستمتع بأكله قبل أن يبتلعه، بعد أن جلس في ركن قليل الإضاءة من المطعم لا يلاحظه أحد. في مقطع آخر (ص73) يُقرأ: «كنت غارقًا في النوم، فأيقظني أحد الشرطة، فجلست وكأني بعثت بعنف إلى الحياة والشقاء. وكانت دهشتي لوجودي في العراء دهشة جمود في أول الأمر، ولكن سرعان ما انقلبت خيبة مرّةً، فكدت أبكي أسفًا لأني لا أزال على قيد الحياة. وكانت السماء قد أمطرت في أثناء نومي فنفذ الماء إلى ملابسي، وأحسست ببرودة قاسية في أضلاعي». اتسمت الرواية بقدر من المثالية والتضحية غير المنطقية أحيانًا؛ حين كان البطل الفقير الذي لا يجد ما يسد به رمقه يتبرع بماله وثيابه للفقراء لشخص منسي وسط الحشود، وجاء في وصف حالات من الجوع أنه «همسات الدم وتوسلات نخاع العظم». الروايات اللاحقة التي تناولت نفس الموضوع بعد ذلك صدرت أعمال أخرى تحمل عنوان «الجوع» أو قريبًا منه، منها «بيوغرافيا الجوع» للبلجيكية إميلي نوثومب، ورواية «جوع» للمصري محمد البساطي، ورواية «دروب الجوع» للبرازيلي خورخي أمادو، و«ثلاثية الجوع» للكاتب جيريمي روبنسون التي تتكون من ثلاثة أجزاء: الجوع والوليمة والمجاعة، ورواية للكاتبة جاكي مورس كبسلر (2010) بعنوان «الجوع»، ورواية «دلشاد.. سيرة الجوع والشبع» للعمانية بشرى خلفان (2021)، ورواية «الجوع» لللبناني خضر نبوه (1961). بالإضافة إلى العديد من الروايات التي تناقش موضوع الجوع دون أن تحمل اللفظة في عناوينها.