أنت تتصفح النسخة النصية — بدون صور أو سكربتات
Mamlakanaمكة المكرمة · تغيير

إيوان المودة.. حين يتحول المكان إلى ذاكرة ثقافية

المصدر: صحيفة مكة الإلكترونية

في مدينةٍ عُرفت منذ زمن بعيد بأنها حاضنة للأدب والفكر والفن، تبدو الحاجة إلى الصالونات الأدبية والثقافية الخاصة أكثر إلحاحًا، بوصفها مساحاتٍ حرة للحوار، وملتقى للمهتمين بالثقافة والمعرفة، ومجالس تُصنع فيها الأفكار قبل أن تجد طريقها إلى المنابر الرسمية. وفي ظل محدودية الصالونات الأدبية والثقافية الخاصة في مدينة الطائف، يبرز «إيوان المودة» بوصفه علامة فارقة في المشهد الاجتماعي والثقافي، ومكانًا استطاع أن يمنح المجلس الخاص معنى يتجاوز حدود الضيافة إلى فضاءٍ رحب للقاء والحوار وتبادل الرؤى. يقف خلف هذا الإيوان صاحبه والمشرف عليه البروفيسور الدكتور عايض الزهراني، الذي استطاع أن يجعل من بيته ومجلسه مساحة مفتوحة لاستقبال شخصيات اعتبارية وثقافية وأدبية وإعلامية، في مشهد يعيد إلى الذاكرة صورة المجالس العربية القديمة، حين كان المجلس مدرسةً للحوار، ومكانًا للمعرفة، وجسرًا يصل المثقف بالمجتمع. ولعل ما يميز «إيوان المودة» ليس فقط تنوع ضيوفه، وإنما تلك الروح التي تحكم اللقاءات فيه؛ إذ لا يأتي الضيف بوصفه اسمًا عابرًا في قائمة الاستضافات، بل بوصفه تجربة تستحق الاستماع، وفكرة تستحق النقاش، ومسيرة تستحق الاحتفاء. ففي الإيوان تلتقي الثقافة بالإعلام، والأدب بالفكر، والتجربة الأكاديمية بالحياة الاجتماعية، وتتحول الأحاديث من مجاملات المجالس إلى حوارات تحمل في ثناياها شيئًا من الذاكرة، وشيئًا من المعرفة، وكثيرًا من المودة. ومن هنا جاءت تسمية «إيوان المودة» وكأنها تختصر فلسفة المكان؛ فالإيوان ليس مجرد مساحة معمارية تستقبل الضيوف، وإنما حالة إنسانية تقوم على الألفة، وتقدير الآخر، والاحتفاء بالتجارب، وإبقاء أبواب التواصل مفتوحة أمام المثقفين والمبدعين والإعلاميين والشخصيات العامة. والطائف، التي ارتبط اسمها بالشعر والأدب والثقافة، تحتاج إلى مثل هذه المبادرات الأهلية التي تنشأ من إيمان أصحابها بأهمية الثقافة بوصفها ممارسة يومية، لا مجرد فعاليات موسمية. فالثقافة الحقيقية لا تسكن دائمًا في القاعات الرسمية؛ أحيانًا تولد حول فنجان قهوة، أو في حديث عابر، أو في مجلس صغير يجتمع فيه عدد من أصحاب التجارب المختلفة. وهنا تكمن قيمة «إيوان المودة»؛ في أنه يقدم نموذجًا للصالون الثقافي الأهلي الذي يمكن أن يؤدي دورًا تكميليًا للمؤسسات الثقافية، من خلال صناعة اللقاء، وتقريب المسافات بين المثقفين، وإتاحة الفرصة للتجارب المختلفة كي تتجاور وتتفاعل. كما أن استمرار مثل هذه المجالس، واتساع دائرة حضورها، يحفظ جانبًا مهمًا من ثقافة المجتمع المحلية؛ ثقافة المجلس، والضيف، والحوار، والرواية الشفوية، والاحتفاء بأصحاب التجارب. وهي عناصر لا تقل أهمية عن الفعاليات الثقافية الكبرى، لأنها تصنع علاقة أكثر حميمية بين الإنسان والثقافة. لقد استطاع الدكتور عايض الزهراني أن يمنح «إيوان المودة» خصوصيته، وأن يحوله إلى مساحة تتسع للإنسان قبل الفكرة، وللمحبة قبل المجاملة، وللحوار قبل الخطاب. وفي زمن تتكاثر فيه المنصات الرقمية وتتراجع فيه أحيانًا فرص اللقاء الإنساني المباشر، تصبح المجالس الثقافية الخاصة أكثر أهمية؛ لأنها تعيد للثقافة وجهها الإنساني، وتجعل المثقف يرى المثقف الآخر لا عبر شاشة، وإنما وجهًا لوجه، فيتبادل معه الحكاية والرأي والذاكرة. إيوان المودة ليس مجرد مجلس يستضيف المثقفين؛ إنه مجلس يحتفي بالثقافة حين تكون إنسانًا، وبالأدب حين يكون حوارًا، وبالمعرفة حين تتحول إلى مودة. ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن هذا الإيوان أن بعض الأمكنة لا تكتسب قيمتها من جدرانها، وإنما من الأرواح التي تعبرها، والأحاديث التي تُقال فيها، والذكريات التي تظل معلقة في فضائها. وهكذا يبقى «إيوان المودة» واحدًا من تلك الأمكنة التي يمكن أن تقول عنها الطائف: هنا لا يجتمع الناس فقط… هنا تجتمع الحكايات..ويكفي.

التعليقات