د. فالح الحمــــراني
وقعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة اتفاقية للدفاع المشترك، ينص بندها الجوهري على أن أي اعتداء مسلح على أحد الأطراف الموقعة يعتبر اعتداءً عليها جميعاً. ورغم عدم الكشف عن الالتزامات العسكرية المحددة للأطراف حتى الآن، فإن صيغة المعاهدة بحد ذاتها تضع عملياً الحجر الأساس لتحالف دفاعي متكامل بين ثلاث دول نافذة في العالم الإسلامي.
ولا يُعد ظهور هذا التحالف أمراً مفاجئاً؛ ففي أعقاب الحملة العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، شهد ميزان القوى في الشرق الأوسط تحولاً ملحوظاً، كما أدت الضربات الإيرانية اللاحقة على دول الخليج العربية إلى زعزعة التصور السائد حول ثبات "مظلة الأمن" الأمريكية. ورغم أن دول المنطقة ظلت لعقود تدفع ثمن هذه المظلة عبر عقود تسليح بمليارات الدولارات، والتزامات سياسية، والاعتماد على البنية التحتية العسكرية الأمريكية، فقد تبين في اللحظة الحرجة أن الوجود الأمريكي بحد ذاته لا يضمن منع نشوب الحرب ولا الحماية من تداعياتها.
ولم تأتِ اتفاقية مكة من فراغ؛ إذ أبرمت السعودية وباكستان في العام الماضي معاهدة دفاعية ثنائية، أعقبها تقارب لافت وملموس بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد. وتزامن ذلك مع تعزيز الروابط مع القاهرة، وتوسيع إمدادات الأسلحة، والتدريب المشترك، والتعاون في مجال حماية خطوط الملاحة البحرية. ومن المحتمل تماماً أن تكون مصر الطرف التالي في هذه المنظومة، على أن تظل أبوابها مفتوحة لاحقاً لانضمام دول أخرى من المنطقة.
إن صيغة "الاعتداء على أحد الأعضاء يعد اعتداءً على الجميع" تستدعي تلقائياً المقارنة بحلف الناتو، لكن التحالف الناشئ يختلف جوهرياً عن مشروع "الناتو الشرق أوسطي" الذي سعت واشنطن لسنوات طويلة لتأسيسه. فالمشروع الأمريكي كان يفترض تشكيل كتلة تحت قيادة الولايات المتحدة تندمج بالدرجة الأولى في منظومة احتواء إيران، بينما يتبلور الآن نموذج معكوس تماماً، ينبع تحديداً من إدراك أن أمن المنطقة لم يعد ممكناً تفويضه بالكامل لضامن خارجي. وتساهم السعودية في هذه المنظومة بقدراتها المالية وثقلها السياسي، في حين تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في حلف الناتو ومجمعاً صناعياً دفاعياً قوياً، بينما تُعد باكستان القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي. وبتكامل هذه الأطراف، تظهر لديهم القدرة على تشكيل إطار ردع مستقل، تصبح فيه قرارات الأمن الإقليمي غير مقتصرة على ما يصدر من واشنطن.
وفي هذا السياق، يبدو أن المستهدف السياسي الرئيسي من هذا التحول اليوم ليس طهران، بل إسرائيل. ورغم أن الأطراف الموقعة تؤكد رسمياً على الطابع الدفاعي الصرف للاتفاقية، إلا أن اتساع جغرافيا العمليات العسكرية الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة يدفع دول المنطقة للبحث عن آليات جماعية للحد من سياسة القوة. لقد خلقت الحرب في غزة، والعمليات العسكرية في لبنان وسوريا، والضربات المتبادلة مع إيران، مع الاستمرار في رفع سقف التصعيد، شعوراً خطيراً بأن منظومة الردع الإقليمية السابقة لم تعد صالحة. ومن هنا، لا يبدو مستغرباً أن تخلص التقديرات التحليلية إلى أن التحالف الجديد موجّه، من بين أمور أخرى، نحو خلق قوة موازنة في مواجهة إسرائيل، وليس للإعداد لمواجهة مباشرة مع إيران.
ويبدو أن إسرائيل نفسها تدرك هذا الأمر؛ وظهور ائتلاف من حولها يضم دولاً تمتلك موارد مالية هائلة، ومجمعات صناعية عسكرية متطورة، وجيوشاً ضخمة، إلى جانب العامل النووي المحتمل، يضيق موضوعياً من مساحات استخدام القوة بشكل أحادي الجانب. ومع ذلك، ليس بالضرورة أن يتحول هذا التحالف إلى كتلة معادية لإسرائيل، بل قد تتركز مهمته في إعادة إرساء مبدأ التوازن، الذي تفرض بموجبه قيود حقيقية على تحركات أي قوة إقليمية. وتأخذ إيران في هذه المنظومة موقعاً أكثر تعقيداً؛ فمن جهة، قد يؤدي تعزيز مواقعها ونمو طموحاتها الإقليمية إلى تحويل التحالف الجديد إلى أداة تقييد إضافية لطهران أيضاً، ومن جهة أخرى، إذا بدأ التحرك نحو هندسة أمنية شاملة وفعلية، فإن إيران نفسها قد تصبح جزءاً منها في المستقبل، وهو السيناريو الأكثر نفعاً للمنطقة لأنه سيحول المنظومة الجديدة من مجرد تكتل عسكري سياسي موجه ضد طرف ما، إلى آلية للردع المتبادل بين كبرى مراكز القوى.
أما بالنسبة لواشنطن، فإن مجريات الأحداث تبدو أقل ملاءمة لمصالحها؛ ورغم أن الأمر لا يتعلق حالياً بقطع التحالفات التقليدية مع الولايات المتحدة، إلا أن المؤشر بحد ذاته يحمل أهمية كبرى. فالشركاء الأمريكيون لم يعودوا راغبين بربط بناء أمنهم الخاص حصرياً بأمريكا، مما يمثل خطوة نحو سيادية السياسات الدفاعية، وتنويع الشراكات، والاعتماد الأكبر على القدرات الإقليمية. وفي المقابل، تفتح هذه إعادة الهيكلة نوافذ فرص جديدة لمراكز القوى العالمية الأخرى، بما في ذلك روسيا التي تمتلك كفاءات تنافسية في مجالات الطيران، والدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، وتكنولوجيا الصواريخ، وغيرها من قطاعات التصنيع العسكري.
إن سعي أطراف التحالف الجديد لتنويع الروابط الدفاعية من شأنه أن يوسع آفاق التعاون مع موسكو، ليس فقط على الصعيد التقني العسكري، بل وأيضاً على المستويين السياسي والاقتصادي بشكل أوسع. ولذلك، فإن أهمية اتفاقية مكة تتجاوز مجرد التوقيعات الثلاثة على الوثيقة، لتشكل عارضاً آخر من عوارض تفكك النظام السابق للعلاقات الدولية، الذي اعتمد فيه أمن أقاليم كاملة لعقود على قوة عظمى خارجية واحدة. ويحل محل هذا النظام تدريجياً عالم أكثر تعقيداً تقوده مراكز قوى إقليمية، وتحالفات ذاتية، ومنظومات ردع متبادلة. وقد تكون مفارقة التاريخ هنا غير سارة لواشنطن؛ فالناتو الشرق أوسطي الذي أرادت الولايات المتحدة يوماً تأسيسه كأداة للحفاظ على نفوذها، بدأ بالفعل يتخذ أبعاداً واقعية، ولكن دون مشاركة الولايات المتحدة، وربما بهدف الحد من حرية تحرك حليفها الإقليمي الأقرب، ليتحول مشروع الهيمنة الأمريكية إلى إحدى آليات تفكيك هذه الهيمنة نفسها. ( انتهى).
- اعتمدت المادة على تقارير وسائل الاعلام الروسية: صحيفة الازفيستيا ومعهد الشرق الاوسط