أنت تتصفح النسخة النصية — بدون صور أو سكربتات
Mamlakanaالرياض · تغيير

مقارنةً بماذا؟ معيار التمييز الحقيقي في الاتصال المؤسسي

المصدر: الرياض 24قراءات: 1

من أسعب العبارات التي يمكن أن يطلقها شخص أو مؤسسة على نفسه: نحن الأفضل، الأسرع، الأعلى جودة، والأكثر ابتكارًا. لكن كلمة واحدة قد تُربك كل هذه الأوصاف: مقارنةً بماذا؟ معنى المقارنة في تقييم الأداء القيمة التي ننسبها إلى أنفسنا لا تتضح إلا عندما يكون هناك مرجع يكشف معناها؛ فـ”الأسرع” تفترض وجود زمن آخر للمقارنة، و”الأفضل” يستدعي طرفًا للمفاضلة، و”التطور” لا يظهر جليًا حتى نعرف نقطة البداية وما تحقق بعدها. هنا تؤدي المقارنة وظيفة مهمة في العملية الاتصالية؛ فهي تنقل الرسالة من مجرد إطلاق صفة إلى إظهار ما يسندها، وتمنح الناس فرصة لفهم قيمة الإنجاز بدلاً من الاكتفاء بوصفٍ يطلقه صاحبه. عندما تعلن مؤسسة أن خدماتها أصبحت أسرع، فإنها تقدم معلومة عامة؛ لكن حين نعرف أن معاملة كانت تستغرق خمسة أيام وأصبحت تُنجز في يوم واحد، يتحول التحسن إلى شيء ملموس. وكذلك إذا قيل إن تجربة المستفيد تطورت، يطرح السؤال الطبيعي: ما الذي تغير فيها؟ وأين يظهر ذلك في رحلة المستفيد نفسها؟ لماذا تحتاج الأرقام والسياق إلى بعضهما البعض المعلومة تخبرنا بما حدث، بينما السياق يكشف لنا قيمة ما حدث. هذا يفسر لماذا قد تبدو بعض الأرقام ضخمة، ومع ذلك تقول القليل! مليون مستفيد رقم لافت، لكنه يكتسب دلالة أعمق عندما نعرف نقطة الانطلاق، والمستهدف، وحجم النمو، وما تحقق في الوصول أو الخدمة أو الأثر. الرقم المنفرد يجذب الانتباه، أما وضعه في سياقه فيساعد على فهمه. وتزداد أهمية ذلك في الخطاب المؤسسي والإتصالي، حيث تمتلئ الرسائل أحيانًا بأوصاف التفوق والريادة والابتكار، ومع فرط استخدامها تفقد شيئًا من قدرتها على التمييز؛ فسهولة إطلاق الصفة لا تعني قدرة الرسالة على إثباتها. الأبعاد الأخلاقية والمهنية للمقارنة الصادقة المشكلة هنا اتصالية قبل أن تكون لغوية؛ فحين نصف أنفسنا بكثرة، نطلب ضمنيًا من الناس أن يتبنوا رؤيتنا لذواتنا، أما حين نقدم لهم معطيات واضحة، فإننا ننقلهم من استقبال الادعاء إلى اكتشاف الميزة. غير أن الموازنة بين حالتين تحمل مسؤولية أخلاقية أيضًا؛ يمكن لأي جهة أن تبدو متفوقة إذا اختارت نقطة بداية تناسبها، أو أخفت معلومة تُغيّر الصورة، أو وضعت نفسها أمام طرف تعرف مسبقًا أنها ستتفوق عليه، وهنا تتحول أداة الإيضاح إلى وسيلة للتضليل. لذلك فإن المقارنة المقنعة تحتاج إلى الإنصاف بقدر حاجتها إلى الذكاء. وينطبق المعنى على الأفراد أيضًا: من يقول إنه تطور مهنيًا، قد تكون منجزاته اليوم مقارنة بما كان ينجزه قبل سنوات أبلغ من أي وصف يطلقه على نفسه؛ ومن يقدم نفسه خبيرًا، فإن أعماله وممارساته وأثره يمنحون الآخرين مادة أكثر صدقًا لتقدير خبرته. من هنا أرى أن الاتصال الأكثر نضجًا يخفّف من مدح الذات، ويزيد من حضور ما يثبت القيمة. المُقنع لا يحتاج دائمًا إلى أن يملّي على الناس النتيجة؛ يكفي أن يضع المعلومات في سياقها الصحيح، ثم يمنحهم فرصة الوصول إليها. لذلك؛ قبل أن نمنح مشروعًا أو تجربة أو خدمة وصفًا كبيرًا، ربما كان السؤال الأجدر: بماذا نقارنها؟ وما الذي سيجعل الآخرين يرون قيمتها كما نراها نحن؟ فالتميز الحقيقي لا يحتاج إلى كثير من الصفات حين تكون شواهده حاضرة. وإذا أردت أن تقول إنك الأفضل، فابدأ بالإجابة عن السؤال: مقارنةً بماذا؟

التعليقات