كشفت وثائق سرّية قُدّمت إلى الكونغرس أن أجهزة الاستخبارات الأميركية تقيّم أن السعودية لم تستبعد خيار تطوير برنامج للأسلحة النووية، ما أثار مخاوف داخل الكونغرس بشأن الاتفاق الذي أبرمته إدارة الرئيس دونالد ترامب مع الرياض لدعم إنشاء برنامج نووي مدني.
وبحسب تقرير للصحافي جون هدسون في صحيفة «واشنطن بوست»، يتيح الاتفاق لشركات أميركية إطلاق مشاريع للطاقة النووية في السعودية بقيمة عشرات مليارات الدولارات، في إطار مسعى إدارة ترامب لتعزيز التعاون مع الرياض وإبعادها عن اللجوء إلى شركات روسية أو صينية.
تقييم استخباراتي يثير القلق
ووفق مسؤولين أميركيين تحدثوا للصحيفة شرط عدم كشف هوياتهم، قدّمت وزارة الخارجية تقييماً ضمن الوثائق السرية المرسلة إلى الكونغرس الشهر الماضي، أبدت فيه ثقة أكبر بضمانات الاتفاق وتطمينات الحكومة السعودية.
في المقابل، أعرب مشرّعون ديمقراطيون عن مخاوفهم من أن يسمح الاتفاق للرياض بتخصيب اليورانيوم محلياً إلى مستويات أعلى، ومن إمكان استخدام مواد نووية لأغراض عسكرية.
وفي رسالة إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، قال أعضاء في مجلس الشيوخ يقودهم إد ماركي وجيف ميركلي إن الإدارة تتخلى عن قيود كانت أكثر صرامة في السابق، معتبرين أن المسار المطروح قد يمنح السعودية قدرات في مجال تخصيب اليورانيوم يمكن أن تُستخدم لاحقاً في تطوير سلاح نووي.
حدود تخصيب اليورانيوم
وينص الاتفاق، في مرحلته الأولى، على إبقاء مستوى تخصيب اليورانيوم السعودي دون 5%، لكنه يتيح رفع السقف إلى 20% بعد إجراء دراسة إضافية والتوصل إلى اتفاق خطي.
ويثير هذا البند اعتراض مشرّعين وخبراء في منع الانتشار النووي، الذين يحذرون من أن الوصول إلى مستوى 20% قد يجعل الانتقال إلى مستويات أعلى مخصصة للاستخدام العسكري أسرع نسبياً.
ويقارن مشرّعون ديمقراطيون هذا السقف بالاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، الذي حدّد مستوى التخصيب الإيراني عند 3.67% لمدة 15 عاماً.
خلاف حول الرقابة الدولية
ولا يقتصر الجدل على مستوى التخصيب، إذ لا يُلزم الاتفاق السعودية بالانضمام إلى «البروتوكول الإضافي» للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يمنح الوكالة صلاحيات أوسع للوصول إلى المنشآت والمعلومات المتعلقة بالبرنامج النووي.
ويخشى خبراء من أن يؤدي غياب هذا الالتزام إلى الحد من قدرة الوكالة على التحقق من عدم وجود أنشطة نووية غير معلنة.
وفي رسالة إلى الكونغرس هذا الأسبوع، اعتبر 20 خبيراً في مجال منع الانتشار النووي، بينهم المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية هانس بليكس، أن مستوى الضمانات المطروح غير كافٍ لدولة تسعى إلى تطوير قدرات لإنتاج المواد الانشطارية.
موقف الرياض وواشنطن
ولم ترد الحكومة السعودية مباشرة على أسئلة الصحيفة، لكنها أحالت إلى تصريح سابق لوزير الطاقة عبد العزيز بن سلمان، أكد فيه أن البرنامج سيكون «سلمياً» وسيُطوّر بأعلى درجات المسؤولية والشفافية.
من جهتها، قالت وزارة الخارجية الأميركية إن الولايات المتحدة «لا تدعم ولن تدعم برنامجاً سعودياً للأسلحة النووية»، مؤكدة أن الاتفاق يوسّع التعاون في مجال الطاقة النووية مع الحفاظ على أقوى معايير منع الانتشار التي يمكن تحقيقها دبلوماسياً.
وامتنعت وكالة الاستخبارات المركزية عن التعليق.
تصريحات محمد بن سلمان تعود إلى الواجهة
ويستعيد المعارضون للاتفاق تصريحاً أدلى به ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عام 2018، قال فيه إن السعودية ستسعى إلى امتلاك سلاح نووي إذا طوّرت إيران قنبلة نووية.
ويرى مشرّعون ديمقراطيون أن أي ترتيبات تمنح الرياض قدرات واسعة في تخصيب اليورانيوم قد تزيد مخاطر سباق تسلح نووي في المنطقة.
الكونغرس أمام مهلة للمراجعة
وتخضع الصفقة حالياً لمراجعة في الكونغرس لمدة 90 يوماً، يمكن خلالها للمشرّعين الدفع نحو تشريع لوقف الاتفاق إذا حشدوا التأييد الكافي.
ويأمل عدد من الديمقراطيين، بينهم النائب غريغوري ميكس، في طرح تشريع لرفض الاتفاق، فيما يستطيع ترامب استخدام حق النقض إذا لم يحصل مشروع الرفض على أغلبية الثلثين اللازمة لتجاوز الفيتو.
المصالح التجارية والسياسية
وفي مقابل المخاوف المرتبطة بالانتشار النووي، يرى مؤيدو الاتفاق أنه يفتح أمام الشركات الأميركية سوقاً ضخمة في مشاريع الطاقة النووية السعودية، ويحد من فرص الشركات الصينية والروسية في دخول هذا القطاع.
كما أثار مشرّعون ديمقراطيون تساؤلات حول المستفيدين المحتملين من الاتفاق، مشيرين إلى استثمارات سعودية سابقة مرتبطة بجاريد كوشنر، وإلى المصالح التجارية المحتملة لشركات أميركية مشاركة في المشاريع.
وتبقى أمام الاتفاق عقبة سياسية أخرى تتمثل في إصرار ترامب على تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل كشرط لإتمامه، فيما يرى محللون أن الرياض لا تزال تربط التطبيع بمسار يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية.
وبذلك، يبقى مستقبل الاتفاق مرتبطاً بمسارين متوازيين: الجدل داخل واشنطن حول الضمانات النووية، والمسار السياسي المتصل بالعلاقات السعودية – الإسرائيلية.