إيلاف من الرياض: على امتداد أكثر من 1,200 كيلومتر داخل الأراضي السعودية، يحمل خط أنابيب شرق-غرب النفط من قلب مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ينبع على البحر الأحمر. هذا الشريان، الذي شكّل لسنوات خيارًا استراتيجيًا إضافيًا للصادرات السعودية، أصبح اليوم في قلب منظومة أوسع تعيد من خلالها الرياض ترتيب طرق وصول نفطها إلى الأسواق العالمية، وسط اضطرابات متزامنة في اثنين من أهم الممرات البحرية للطاقة.
فبعد القيود الحادة التي أصابت الملاحة عبر مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب الأميركية-الإيرانية أواخر شباط (فبراير)، ازدادت أهمية ينبع بوصفها منفذًا سعوديًا رئيسيًا على البحر الأحمر. ثم جاءت تهديدات الجماعة الحوثية المسلحة المدعومة من إيران، والمصنفة منظمة إرهابية أجنبية لدى الولايات المتحدة، لتضيف تحديًا آخر عند باب المندب.
وفي 20 تموز (يوليو) 2026، أعلنت الجماعة ما وصفته بـ«حصار بحري» على السعودية، مستخدمة عبارة «العين بالعين». وردّ التحالف بقيادة السعودية حينها بالتأكيد أن التهديدات التي تستهدف السفن العابرة ستُواجه «بسرعة وحزم»، معتبرًا أنها انتهاك للقانون الدولي.
لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن المسألة لم تعد مجرد حرب تصريحات. فمع ارتفاع المخاطر الأمنية، أخذت حركة ناقلات النفط السعودية تتكيف بسرعة، وتزايد اتجاه الشحنات شمالًا عبر البحر الأحمر إلى مصر، بدلًا من عبور باب المندب جنوبًا.
ينبع في قلب شبكة التصدير السعودية
كانت السعودية قد عززت بالفعل استخدام خط أنابيب شرق-غرب لنقل الخام من مناطق الإنتاج الشرقية إلى ينبع، في خطوة أتاحت للمملكة الحفاظ على قدر كبير من المرونة في مواجهة اضطرابات مضيق هرمز.
وتشير بيانات شركة كيبلر المتخصصة في تتبع السلع والشحن إلى أن صادرات ينبع بلغت نحو 4.14 مليون برميل يوميًا في حزيران (يونيو)، بما يعكس الحجم الذي بات هذا المنفذ قادرًا على التعامل معه ضمن شبكة التصدير السعودية.
ومع تصاعد التهديدات في البحر الأحمر، بدأت صورة الحركة البحرية نفسها تصبح أقل وضوحًا.
وقالت كيبلر إن نحو 70% من تحميلات الخام من الساحل الغربي السعودي خلال الأسابيع الأخيرة تمت عبر رحلات لم تكن فيها بيانات نظام التعريف الآلي للسفن (AIS) متاحة بصورة مستمرة. وأضافت أن جميع شحنات ينبع المحملة منذ 23 تموز (يوليو) تضمنت سفنًا لم توفر تغطية متواصلة لهذا النظام.
وتتباين لذلك تقديرات شركات تتبع السفن بشأن الحجم الفعلي للصادرات السعودية من ينبع، وهو أمر مهم عند قراءة الأرقام: فإغلاق أجهزة التتبع أو انقطاع إشاراتها يجعل تحديد حركة الناقلات آنيًا أكثر صعوبة، ولا يعني توقف الشحنات نفسها.
مصر تدخل بقوة في المعادلة
في المقابل، تكشف الحركة شمال البحر الأحمر عن الجزء الأكثر وضوحًا من استراتيجية التكيف السعودية.
فالخام يصل إلى ينبع عبر خط شرق-غرب، ثم يمكن نقله بحرًا شمالًا إلى العين السخنة المصرية. ومن هناك يتيح خط أنابيب السويس-المتوسط «سوميد»، الذي تبلغ طاقته التشغيلية نحو 2.5 مليون برميل يوميًا، نقل الخام إلى سيدي كرير على ساحل البحر المتوسط.
وتمنح هذه المنظومة السعودية طريقًا إلى الأسواق الواقعة غرب السويس من دون الحاجة إلى عبور باب المندب.
وتكتسب المنظومة أهمية إضافية بالنسبة إلى الناقلات العملاقة، التي تحد قيود الغاطس في قناة السويس من قدرتها على عبور القناة بحمولتها الكاملة. ويمكن للناقلة في هذه الحالة تفريغ جزء من الخام في العين السخنة، ثم عبور القناة بحمولة أخف واستعادة الكميات المنقولة عبر «سوميد» من سيدي كرير.
وتقدّر كيبلر أن الجمع بين الطاقة المتاحة في «سوميد» وتقسيم حمولات الناقلات العملاقة يمكن، نظريًا، أن يتيح مرور ما يصل إلى نحو 3.4 مليون برميل يوميًا من الخام السعودي بعيدًا عن باب المندب، وإن كانت القيود التشغيلية وطول المسافات تحول دون اعتبار هذا المسار بديلًا كاملًا في جميع الحالات.
أرقام قياسية في سيدي كرير
التحول يظهر بوضوح أكبر على الساحل المصري للمتوسط.
فبحسب بيانات فورتيكسا، بلغ متوسط تحميلات الخام والمكثفات من سيدي كرير مستوى قياسيًا قدره 2.17 مليون برميل يوميًا في أحد الأسابيع الأخيرة، بزيادة تقارب 50% عن الأسبوع السابق، وكان الخام السعودي يمثل نحو 90% من تلك الكميات.
هذه الأرقام تضع السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، في مركز حركة إعادة توجيه واسعة لتدفقات الطاقة الإقليمية. فبدل أن تكون اضطرابات الممرات البحرية سببًا في شل حركة الصادرات، تستخدم المملكة شبكة تمتد من حقولها الشرقية إلى ينبع، ومنها إلى البنية التحتية المصرية وصولًا إلى المتوسط.
وكانت أرامكو قد بدأت منذ أواخر تموز (يوليو) عرض كميات إضافية من الخام للتحميل من سيدي كرير، إلى جانب إمداداتها التعاقدية المعتادة، بحسب مصادر تجارية تحدثت إلى رويترز.
آسيا أمام رحلة أطول
لكن المرونة اللوجستية لها كلفة، خصوصًا عندما تكون الوجهة النهائية شرق آسيا.
فالشحنة التي تصل إلى المتوسط عبر سيدي كرير ثم تتجه إلى مشترٍ آسيوي تحتاج إلى الإبحار غربًا عبر المتوسط ومضيق جبل طارق، ثم الدوران حول رأس الرجاء الصالح قبل التوجه شرقًا. وهذا يزيد زمن الرحلة وتكاليف الشحن مقارنة بالمسار المباشر جنوبًا عبر باب المندب.
وأفادت مصادر مطلعة بأن أرامكو تدرس آلية تسعير لشحنات سيدي كرير المتجهة إلى آسيا تأخذ في الاعتبار هذه التكاليف الإضافية. وقدّر أحد المصادر الزيادة المحتملة بنحو 10 ملايين دولار للشحنة، أو ما يقارب 5 دولارات للبرميل.
ولم تعلق أرامكو على تفاصيل آلية التسعير المقترحة.
وتظهر آثار هذه الظروف بالفعل في السوق الآسيوية. فقد أفادت رويترز في 13 آب (أغسطس) بأن أرامكو تتعامل مع مخصصات أيلول (سبتمبر) لبعض عملائها الآسيويين على أساس كل حالة على حدة، فيما أبدى مشترون ترددًا في تحميل الخام من سيدي كرير بسبب زيادة زمن الرحلة وكلفة النقل.
وتشير بيانات كيبلر إلى أن صادرات الخام السعودي إلى آسيا هبطت إلى أقل من 3 ملايين برميل يوميًا في تموز (يوليو)، مقارنة بـ4.9 مليون برميل يوميًا في العام السابق، مع ضرورة التعامل بحذر مع أرقام الصادرات الحالية بسبب ازدياد الرحلات التي لا تظهر بصورة متواصلة على أنظمة التتبع.
السعودية لا تغلق باب المندب
ورغم التحول المتزايد نحو الشمال، لا تعني التطورات أن السعودية أوقفت صادراتها عبر باب المندب.
وتؤكد بيانات كيبلر استمرار عبور الخام السعودي للمضيق، وإن تراجعت الحركة مع ارتفاع المخاطر. وهذه نقطة أساسية في قراءة المشهد: الرياض لا تستبدل طريقًا بطريق بصورة مطلقة، بل توسع مجموعة البدائل المتاحة أمامها في بيئة بحرية شديدة التقلب.
وهنا تظهر الأهمية الاستراتيجية للبنية التحتية السعودية التي تربط شرق المملكة بغربها. فقد سمح خط شرق-غرب بتحويل ينبع إلى نقطة ارتكاز رئيسية عندما تعثرت الملاحة في هرمز، فيما توفر منظومة السويس و«سوميد» امتدادًا إضافيًا لهذا المسار عند ارتفاع المخاطر جنوب البحر الأحمر.
معركة لوجستية تتجاوز حدود المنطقة
التداعيات لا تقف عند السعودية أو مصر.
فكل رحلة أطول تحتاج إلى الناقلة نفسها لفترة أكبر، ما يقلل عمليًا عدد السفن المتاحة لنقل الكميات نفسها ويضغط على أسعار الشحن والتأمين. وقد ارتفعت بالفعل تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب مع تزايد الهجمات والتهديدات في المنطقة.
أما بالنسبة إلى أوروبا والولايات المتحدة، فإن موقع سيدي كرير على المتوسط يجعل الوصول إلى أسواقهما أقصر نسبيًا من إعادة الخام شرقًا إلى آسيا حول أفريقيا، وهو ما يفسر جانبًا من التحولات التي تشهدها وجهات الشحن.
وفي قلب هذه الخريطة المتغيرة تبقى السعودية صاحبة العنصر الحاسم: القدرة الإنتاجية، وشبكة الأنابيب الممتدة عبر أراضيها، وميناء ينبع، والمرونة في إعادة توزيع الشحنات بين الشرق والغرب.
ما يحدث، لذلك، ليس انكفاءً لصادرات المملكة بقدر ما هو اختبار لقدرة أكبر مصدر للنفط عالميًا على إبقاء براميله متدفقة عندما تصبح الطرق التقليدية أكثر خطورة.
والاختبار مستمر. فباب المندب لم يُغلق أمام الخام السعودي، ومسار مصر لا يستطيع منفردًا استيعاب كل السيناريوهات المحتملة، فيما تبقى الأسواق الآسيوية شديدة الأهمية لأرامكو. لكن الأسابيع الأخيرة أظهرت أن خريطة النفط السعودي لم تعد محكومة بممر بحري واحد: من شرق المملكة إلى ينبع، ومن البحر الأحمر إلى السويس وسوميد، تتحرك الرياض عبر شبكة بدائل هدفها إبقاء الطاقة السعودية متصلة بالأسواق مهما ازدادت تعقيدات الملاحة حولها.